هذا ما يحدث في غرفة عمليات أحلام العصر

المشهد الأول

كان يتجول في هاتفه من تطبيق إلى آخر محاولًا قتل دقائق الانتظار قبل بدء المؤتمر بعد نصف ساعة عبر الانترنت، مستمعًا إلى أغاني في الخلفية مدندنًا بصوت خافت “اااابيييي أكثر، أبي أفرد جناحي بعالمك وأطيييير، ابي أشعر بأن النجمة تحكي حبنااا للغيير”. قطع منبه هاتفه دندنته معلنًا بدء المؤتمر بعد دقائق. الساعة تشير إلى الثانية عصرًا.. بدأ المؤتمر. كان مديره في العمل من ضمن المتحدثين. هذه أول مرة في حياته يرى مديره بشارب. يبدو مختلفًا بشكل كلي وكأنه شخص آخر. فكّر السيد أن هذا لا بد وأنه بسبب إغلاق جميع محلات الحلاقة… من الواضح أنه لم يحلق لأكثر من شهر.

مدة المؤتمر هي ثلاث ساعات. البداية كانت لا تبشر بخير بسبب سوء تفاهم محرج حصل بين شخصين، حمدًا لله تم احتواء الوضع قبل أن يصل إلى السباب. سرعان ما بدأ السيد بالتململ من الجلوس وبالطبع قضى الوقت في تفقد هاتفه.. الذهاب إلى المطبخ وأكل وجبات خفيفة، والقليل القليل من التركيز فيما يقوله المتحدثون. وجد أن صديقه أرسل له مقطع يتحدث فيه رابح صقر عن تشبيه الشعب الكويتي به و  E.T. بعدها تابع مشاهدة بعض المقاطع، من بينها مقطع يعقوب الحرامي. تفقد الوقت.. كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف مساءً، فكّر انه وقت ممتاز لشرب الحليب بالكركم. ذهب إلى المطبخ لإعداده لكنه لم يجد حليب في المنزل. خطط أن للذهاب إلى الدكان بعد انتهاء المؤتمر لشراء الحليب.

يشعر بالضجر.. غيّر مكانه واستلقى على الكنب وحاسوبه على بطنه.. شافطًا الكثير من الهواء بعمق ومخرجه بنفس السرعة، مطلقًا صرخة مزيفة تسمى تثاؤب. منبهًا بذلك مهندس الأحلام الذي لم يكن يتوقع غفوة سيده. قام مهندس الحلم بالضغط على زر الطوارئ من الدرجة الثالثة لإشعار زملاؤه باحتمالية اقتراب موعد عملهم. يتأهّب مهندس الحلم والموظفين الآخرين. غفا سيدهم بالفعل، دخل وبشكل رسمي إلى مرحلة النوم الخفيف.

عندما استيقظ السيد من غفوته.. سحب دفتر مذكرات أحلامه لتسجيل ما رءاه في الحلم. وكتب الآتي:

كان حلمًا غريبًا. البداية كانت عادية ومريحة. نعم البداية كانت رائعة! كنت أتمشى في حديقة واقطف فواكه وألعب مع الحيوانات، كان حلمًا طويلًا فحدث الكثير في تجولي في الطبيعة، ولكنني اليوم أود توثيق ما حصل لاحقًا في الحلم! رأيت أن رابح صقر جاء واصطحبني معه من الحديقة وذهبنا إلى الفضاء، كان رابح يتحول شيئًا فشيئًا إلى كائن فضائي ذا رقبة طويلة، وكان شاربه غليظًا لا ينتمي إلى وجهه. قمنا بالتجول في الفضاء. كانت الأحداث لـ نقل أنها منطقية واستمتعت بالشق الأول من الحلم حقيقة، ولكن بدأ الحلم بأن يصبح غير مترابط وغير منطقي شيئًا فشيئاً. بعد أن انتهينا انا ورابح صقر من رحلتنا الفضائية توقفنا لنستريح، عندما نزلت من السيارة التي كانت على شكل حاسوب، وجدت نفسي داخل علبة حليب كانت عبارة عن استراحة ودكان صغير. ويا للسخرية.. كان البائع هو يعقوب الحرامي مكتوب على قميصه “If I don’t steal it someone else will”. بعدها دخل ذلك الشخص الغضوب من ذلك السوبرماركت، كم سنة مرت؟ لا أعلم لماذا لا يزال يزورني في أحلامي إلى يومنا هذا. العجيب أن وجهه تحول إلى وجه أوسكار كلب الجيران وما إن دخل انقض على يعقوب وبدأ العراك بينهم. من شدة المشاجرة التي حصلت بينهم قام الرجل بقذف القبعة التي كان يرتديها بلون البيج وسقطت على الأرض. ملابس الرجل كانت تشبه ملابس عيسى الوعد من أغنية تجي نسهر. كان هذا مضحكًا! شخص غاضب بوجه كلب يرتدي ملابس عيسى الوعد، ههه. بعدها لا أذكر جيدًا.. كانت الأحداث متداخلة فقد وجدت نفسي فجأة أستحم في وعاء من الحليب والكركم، همم، ثم وكأنني كنت في قاعة مدرستي الثانوية أمتحن في مادة لم أدرس لها.. كنت متوترًا.. المدرس كان رابح صقر، مرة أخرى! ثم شجيرات يخرج منها صوت موسيقى.. هذا آخر ما أتذكره قبل أن يوقظني صوت نغمة منبهي لتذكيري بالذهاب إلى السوبر الماركت بعد انتهاء المؤتمر والذي.. هه.. يشبه صوت موسيقى الأشجار. 


المشهد ما قبل قبل الأول 

قبل ساعات، بعد أول مرة تثاءب فيها السيد قبل أن يغفو بقليل، بدأ المهندس بالتحضير.. يراجع أوراقه، يتأكد من السيناريو، يتشاور ويجمع المعلومات من موظفي الأقسام الأخرى مثل موظفو قسم العين، قسم الجهاز العصبي، الجهاز الهضمي، أمين الذاكرة، قسم المشاعر. موظفو المؤشرات الحيوية.. وغيرهم.. بإشراف كبيرهم؛ السيد العقل الباطن. هم يعملون مترقبين أن تحين ساعة الصفر. قام مهندس الحلم بتفعيل منبه مدته خمسة دقائق، لأن هذا-بحسب خبرته- هي المدة التقريبية التي يحتاجها سيده لدخوله مرحلة النوم العميق.. مرحلة الأحلام.

مهندس الحلم مخاطبًا الآخرين: حسنًا.. هل من اقتراحات أخرى قبل أن نبدأ؟ غير أن انذارًا قاطعه.

مدير الجسم العام معلنا في الميكروفون: بياناتنا تشير إلى أن التنفس، ضربات القلب، درجة الحرارة، وموجات العقل في طريقها إلى أن تكون في أدنى مستوى، بالإضافة إلى أن الهرمونات أفرزت نفسها بالفعل، المزاج يتحسن، ضغط الجسم ينخفض أكثر وأكثر في هذه اللحظة، الخلايا في طريقها للتجديد والأنسجة شرعت بالإصلاحات. نحن مستعدون.

قام مهندس الحلم بالضغط على زر تفعيل الشلل المؤقت وبذلك دخل السيد مرحلة النوم العميق المعروفة بمرحلة الأحلام، وفي هذه اللحظة بدأ حلم العصر.

بدأ مهندس الحلم بتشغيل سيناريو لطيف، مليء بالخضرة والأحاسيس التي يحبها السيد على توصية من العقل الباطن. تسعة وثلاثون مقطعًا حلميًا رتيبًا لطيفًا قام بعرضها المهندس وهو في أحسن حالة مزاجية واضعًا رجل على الأخرى وهو يتصفح ملف الحلم تارة ويرتشف الشاي من كوبه تارة أخرى. استمر بالارتجال وتصميم الحلم بكل راحة وسلاسة ومتعة.

بعد فترة من العرض السلس، جاء انذار من الدرجة الثانية من مدير الجسم العام: تنبيه إلى قسم الأحلام.. اكرر تنبيه إلى قسم الأحلام.. يقوم السيد حاليًا بالانتقال من مرحلة النوم العميق إلى النوم الخفيف، ننصحكم بالبدء بختام الحلم. لديكم متسع لستة مقاطع حلمية على الأكثر.

وفي هذه الأثناء جاء باحث التنظيف من قسم الكبد والكلى في جولته الاعتيادية لكامل الجسم للتخلص من السموم. تعثر بسلك وهو يدخل الغرفة، الذي لا يعلمه أنه فصل أهم مقبس في غرفة عمليات الحلم؛ مقبس المحافظة على التسلسل.

اثار باحث التنظيف من قسم الكبد والكلى مشكلة كبيرة لأنه دمّر خيط التسلسل الحلمي الذي عمل عليه المهندس.

مهندس الحلم منفعلًا: لااااااا! اننا نفقد السيطرة.

يحاول الموظفون مد يد العون لإنهاء مهمة ختام الحلم.

 الآن لدى المهندس مشكلتين يجب أن يعمل عليهما. الأولى هي أن يجد خيط جديد لسيناريو جديد، والثانية هي أن يسرّع الحلم ويختمه قبل أن تنتهي مرحلة النوم العميق.

تتدخل مساعدة المهندس بسرعة وتلتقط ملف تخطيط الأحلام من يد المهندس: سأتولى مهمة هذا المشهد.

 تسحب صورة لرابح صقر كانت من ضمن الملفات التي تعلو طاولة المهندس، تثبت نظرها عليه بثقة قائلة: سنبدأ من هنا.

مساعدة المهندس منهمكة في ترتيب المشهد الأول تتمتم: رابح صقر، ماذا لدينا أيضاً. نعم وجدتها، الكائن الغريب ذا رقبة طويلة، شارب المدير. نعم هكذا.

تضغط المساعدة على زر العرض قائلة بحماس وصوت عالي: انتهينا من هندسة المشهد الأول من الخاتمة.. تم العرض!

مهندس الحلم وهو يزيح مساعدته من المقعد الرئيسي غرفة عمليات الأحلام ليجلس: شكرًا لك، دعي لي الباقي.

سأجعلهم يتوقفون عند سوبرماركت.. اوه يعقوب، ماذا عن جعل يعقوب السارق أمين مبيعات؟

مساعدة مهندس الحلم: حسنًا، ماذا عن سوء التفاهم الذي حصل في بداية المؤتمر قبل قليل؟ نستطيع أن نجعل هذا المشهد أكثر تطرفًا، أليس كذلك يا سيد عقل باطن؟

السيد العقل الباطن: بالتأكيد. لكن أود أن اقترح ان نربط هذا بمواقف أخرى حصلت في الماضي تستجلب ذات الشعور.. هل تستطيع مساعدتي في البحث في الأرشيف يا مشاعر؟

السيد مشاعر: يسرني ذلك.. لا مشكلة. همم، ماذا عن الشجار الذي حصل قبل خمس سنوات بين الموظف المسكين وذاك الزبون الفظ؟ تشير البيانات إلى أن درجة الحرارة ونبضات القلب بالإضافة إلى الإفرازات الأخرى التي افرزها السيد في وقت سوء التفاهم الذي حصل اليوم تتشابه بنسبة وصلت إلى 98% بما حصل قبل خمس سنوات.

مدير قسم عمليات الأحلام: هاها يعجبني ذلك. ستكون هذه المرة الثالثة التي نعرض فيها ذاك الزبون الكريه.

مساعدة مهندس الحلم: لا وقت للمزاح، يجب أن نعمل بسرعة.

موظف قسم الذاكرة البصرية بتوتر: ولكنني أخبرتكم من قبل أنني لا امتلك معلومات بصرية كافية لعرض ملامح الزبون ولون ملابسه، كان السيد غضبان، لم يوجه نظره نحو الزبون، كان يسترق النظر إليه فقط من شدة غضبه وقتها لم أستطع تسجيل بيانات كافية!

مدير قسم عمليات الأحلام: ضع وجه كلب الجيران بدل وجه الزبون. أنا متأكد أنك تمتلك البيانات التي نحتاجها لأن السيد اليوم نظر إلى صورة الكلب التي نشرها الجار في الانستقرام لمدة دقيقة وثلاث ثوان.. أعتقد أنه وقت كافي. والملابس.. يمكنا أن نجعله يرتدي واحدة من -يقلّب المهندس الأوراق في يده- بدلات عيسى الوعد في أغنية تجي نسهر؛ لأنه وبحسب المعلومات المرفقة من قبل مدير قسم الذاكرة.. فقد كان السيد اليوم يدندن وهو يشاهد الصور ويفكر هل قام عيسى بجلسة تصوير الألبوم في يوم واحد أم يومين؟

تداخلت الصرخات قائلة: أي شيء أي شيء، لن يتمكن من تذكر كل الحلم على أية حال!

كانت مقدمة الحلم هي أهم خيط لبدء حلم مترابط وقوي. كانت البداية جيدة وساعدتهم على تشكيل تسلسل منطقي، لكن الآن لا وقت للمنطق، الوقت ينفذ. وبالمناسبة.. على الرغم من أن هذه لحظة عصيبة ومرهقة لمهندس الحلم، الا أنه وبشكل سري يعتبرها من أمتع دقائق حياته المهنية التي يشعر بها بالإثارة لأنه يحب الارتجال والمجازفة.


 المشهد ما قبل الأول

تلاطم المكان بالضوء الأحمر المتقطع إعلانًا عن تفعيل وضعية الطوارئ من الدرجة الأولى في غرفة عمليات الأحلام.

مهندس الحلم يستلم قيادة الحلم، ممسكًا مقبس ارسال المقاطع بيد، واليد الأخرى تنبش في الأوراق المتناثرة: هممم، حليب.. كركم… مدرسة.. هممم.. ماذا عن رابح صقر مدرسًا هذه المرة؟ تقاطعه مساعدته بتوتر وامتعاض قائلة: يا مهندس ارجوك لا تقم بالانتقال إلى مشهد جديد كالعادة، قم بتمطيط المشهد الحالي واختم به، فسيدنا يستحق حلم مترابط هذه المرة على الأقل!

مهندس الحلم يسر غبطته: بالطبع بالطبع يستحق، سأعرض حلم الامتحان المشهور، the signature.

مساعدة المهندس: ولكن ما العلاقة؟ حتى أن السيد لم يفكر بذلك منذ فترة طويلة؟!

مهندس الحلم: لا يهم.. الوضع يستدعي استخدام سيناريوهات جاهزة ومألوفة، الوقت ينفذ افعلي ما آمرك به بسرعة! ولكن ولأجلك هذه المرة فقط.. ستكون نهاية الحلم تشبه بدايته.. في الحديقة.

كُتب هذا النص غير المكتمل يوم الخميس 15/7/2021


Posted

in

by

Tags:

Comments

رد واحد على “هذا ما يحدث في غرفة عمليات أحلام العصر”

  1. صورة أفاتار bensleybaysmore83

    wow!! 43هذا ما يحدث في غرفة عمليات أحلام العصر

    إعجاب

أضف تعليق