هل لديكم طعام معيّن يستدعي ذكريات معيّنة؟

كنّا في بحر سميسمة يوم الجمعة. أكلت البسكويت مع الشاي فاستدعت ذاكرتي صور محدّدة. كانت لحظة مناسبة جدًا لسؤال من هم معي عما إذا كانت لديهم أكلات معينة تجلب لهم بعض الذكريات. كان الحديث شيّق جدًا، وكانت هنالك فكرة رئيسية اجتمعت عليها جميع الأجوبة. لحسن الحظ أنني قمت بتسجيل الحديث-بعد الاستئذان- وتدوين الملاحظات. وفي هذه التدوينة، أود مشاركتكم ما قمت بتوثيقه، مع كتابة الردود المسجلة كما هي باللهجة المحلية.

هل لديكم أكلة عندما تأكلونها تجلب لكم ذكريات معينة؟

خالتي فاطمة:

“الخبز المݠلي اللي كانت يدتچ تݠليه وتحطّه لنا. أتذكر اديدا موزه كانت الصبح تݠعد، عقب يدتچ تجيب الخبز مع الحليب ويغطسونه فيه. لين يومچ والله من أشم ريحته وآكلة على طول يوديني فَيّ الضحى في فريج الغانم. وبعد مشخول خالتي عاشة الله يرحمها من أشمّه، شنو المميز.. ريحته، طعمه؟ ماعرف بس الله يرحمها يعني مشخولها مشخولها.. كله مال فريج الغانم لأن كنت أݠعد معاها وهي تحمس في الليوان.”

أمي:

“الخبز الايراني طبعًا اللي ممسوح بالجبن مع الحليب.. الحليب الأبيض. على طول يوديني بيت عميمة في مدينة خليفة، غزّة. من آكله أتخيل حتى الحليب وهو نازل من على اليد.. أتذكر عميمة الله يرحمها وليوانهم والحوش المفتوح.. على طول أروح هناك. عشان جذي أحب الخبز الايراني مع الجبن، وايد أحبه.”

فيصل:

“أكله؟ هممم، سمچ ماما فاطمة أتذكر يوم… لاء لاء في بيض وجبن أݠطعة، تعرفين ݠطّاعة البيض؟ وأمسح فوقه جبن اتذكر يوم في دحيل ماما فاطمة (جدته) كانت تحط لنا اياه ݠبل ما نروح المدرسة تݠطعه لنا بݠطاعة البيض. كل ما آكله أتذكر واحنا في المطبخ ݠاعدين ناكل.”

لينا:

 “المعكرونة الحمرا ترجعني ورا أيّام مدينة خليفة.”

دانه:

“الچاي والحليب لما كانت اديدا تصبّه لنا في الصحون ونشربه. كنّا لما نݠوم من الصبح عندها وكانت شمه تروح المدرسة وانا وياها ننطر الباص. هي تݠعدني على الّدْريَة وتصب لي الچاي والحليب في الصحن على أيام ما كنا ݠاعدين في بيت اديدا غزّة.

تضيف شمه:

“اي وحتى چاي الزنجبيل من أشمّه اتذكر دخلة الشتا، لأن هي (أي جدتهم) كانت تحط الدّوّا وتسوي حليب الزنجبيل.. والدّوا سبحان الله كانت لها ريحة خاصّة. ومن تجي من باب البيت تشمين ريحة زنجبيلها ان هي حاطته على الفحم ويستوي على رواݠ. سبحان الله بالبركة تسويه. مب تݠولين بتعيّر السكر ولا.. چي چي چي ولا استوى! ولا البيز مالها، كله تسألني شنو ذي؟ تقول لي هاي بيز، ماتعرفين شنو يعني بيز؟.”

في نفس الأسبوع، كنت مع صديقتي ݠوردانا، فسألتها نفس السؤال. كان ردّها: الفلفل المحشي. تقول إنه يذكرها بوالدها في كل مرة تأكله، لأن أبيها كان يعد لهم ألّذ محشي فلفل أكلته في حياتها. وفي حين أنها تعيش بعيدًا عن أهلها، هي تقول كل مرة تأكل فيه الفلفل المحشي تأتيها احاسيس ومشاعر جيدة.

مرّة أخرى، في جلسة من نفس الأسبوع سألت قريبتي ام عبدالله ذات السؤال. وكان ردها:

“خبز الطابي اللي نحط عليه سكر عقب نلوّته ونوديه المدرسة. كانوا يحطون عليه دهن فولندي (هولندي). يطري على بالي وأفكر فيه ودايمًا يذكرني في بيتنا يوم كنا في الريان. حتى الحين بسبة طاري الخبز ݠاعدة اتذكر اسامي البنات.. والهواش اللي يصير في الفريج. أخبر من تحمل بخيتة اسمعي الهواش. كانت تتنسى في ريلها، تݠول إن ريحة ريلها مب حلوة وريحة البالوعة هي الزينه. تݠعد برع وتشم البالوعة وتقول اه يا زين الريحة. وأتذكر ولدها مرزوݠ قبل كان يروح المدرسة بمرضاعته، يحط المرضاعة داخل شنطته ويروح.

واتذكر بعد عليا دايمًا تتهاوش لما يجي جميل يحلب البقر. جميل كان صبي يشتغل في الفريج يجي بيتنا يساعد امي ويغسل المواعين ويخم ويسترزݠ وآخر الشهر ياخذ المݠسوم ويروح.

مرة أمي كانت تبي تروح السوݠ. كانت تݠفل الباب بس توصي بخيته (جارتهم) علينا ان تطالعنا. كان أخوي راشد صغير خلته امي في الحجرة وݠالت لنا طالعوا اخوكم. بس هي ݠفلت الحجرة وراحت السوݠ ونست. تم يصيح يصيح يصيح محد عنده واحنا متوهقين شنسوي، ݠمنا ركبنا الدري ورحنا فوݠ السطح نصوّت على بخيته وݠلنا لها السالفة. وتمينا ما لنا الا نكسر باب الحجرة وكسرناه وظهرّنا راشد”

وهنالك العديد من القصص الأخرى التي تذكروها وشاركوها. كل هذه الذكريات تدفقت إليهم فقط بسبب تذكرهم لأكلة معيّنة كانوا يأكلونها في ذلك الوقت. أفكر في الدور القوي الذي يلعبه الطعام في ذاكرة الإنسان. حواسنا عظيمة جدًا. كيف يمكن لرائحة أو طعم أن يعيدوننا إلى أكثر من 15، 20، 30 سنة؟

تشرح إحدى المقالات المنشورة في مدونة (Harvard Press) السبب وراء ارتباط مشاعر الناس والحنين للماضي بأطعمة معينة. هنالك جزء في أدمغتنا يسمى (الحُصيْن Hippocampus) مهم للذاكرة. وسموه حُصين لقربه من حصان البحر في الشكل.

تكمن أهمية الحُصين بشكل خاص في تكوين ذكريات واضحة طويلة المدى. ذكريات نتذكرها بوعي تساهم في تشكيل قصصنا الشخصية عن أنفسنا، والتي نحملها جميعًا في رؤوسنا. يعد الحصين مهمًا أيضًا للذكريات المكانية، ولذلك الحصين مهم خصوصًا للحيوانات التي لا يمكنها أن تتواصل لغويًا. وهذا يفسّر الفكرة الرئيسية التي اجتمعت عليها جميع الأجوبة. فجميع من سألتهم كانت أجوبتهم مرتبطة ارتباط وثيق بالمكان، أغلبهم ذكروا اسم الحيّ (الفريج). ولم تكن استعادة الذكريات عن الأكل فقط، بل تعدت الذكرى إلى المكان، المحيط، الحالة، المشاعر، والأشخاص.

يمتلك الحُصين أيضًا روابط قوية مع أجزاء الدماغ المهمة للعاطفة والشم، فجميعنا نعرف تلك الروائح التي أثارت مشاعرنا وذكرياتنا بقوة عندما شممناها، التي لم يكن في استطاعتنا أن نتذكرها عن قصد قبل ذلك. ولكن، ما قد لا نعرفه هو أن الحُصيْن يتصل بشكل مباشر بالجهاز الهضمي؛ فالعديد من الهرمونات التي تنظم الشهية، الهضم، وسلوكيات تناولنا للطعام تمتلك مستقبلات في الحُصين. ومن الواضح أن الحُصين مهيأ لتكوين ذكريات عن الطعام وحوله.

وهذا قد يقودنا إلى فهم حبنا أو كرهنا لبعض الأطعمة. فمن الممكن أن ذلك يتعلق بتاريخنا، طفولتنا، وذكرياتنا التي كانت تحيط هذا الطعام.

بالنسبة لي، تُعاد إليّ بعض الذكريات في كل مرة آكل فيها البسكويت مع الشاي. فالبسكويت والشاي يعني الدفنة، بيت جدّي، جدتي حليمة تحديدًا، قصص الأنبياء على لسانها، جلسة أرضية، ورق الجدران البارز، هاتف الحائط، الستائر الورديّة، والنوافذ الكبيرة جدًا جدًا، تلك الرائحة المميزة، والكثير من الدفء!

من حسن الحظ أنني مؤخرًا وقعت على ألبوم عند جدتي فيه صور لبعض ما ذكرت، هذا الألبوم كنز بالنسبة لي! وهنا، أشارككم صور ورق الجدران البارز، الستائر الورية، والنوافذ، لعل يمكنها إيصال لكم ما أشعر به وأراه عندما آكل البسكويت مع الشاي.

ماذا عنكم؟ هل لديكم طعام معيّن يذكركم بأشياء معيّنة؟

المصدر:

https://harvardpress.typepad.com/hup_publicity/2012/05/food-and-memory-john-allen.html


Posted

in

by

Tags:

Comments

ردان على “هل لديكم طعام معيّن يستدعي ذكريات معيّنة؟”

  1. صورة أفاتار فاطمة المسلماني

    تدوينة رائعة (كالعادة)!
    بالنسبة لي، اعتقد ان الخبز الايراني هو اللي يقدر بطريقة ما انه يحفز مخزون الذكريات في مخي، عمومًا هذا الموضوع استدعى الكثير من الذكريات المنعشة، شكرًا!

    إعجاب

    1. صورة أفاتار nuqut

      لا بد وان نبحث عن السر وراء ارتباط الخبز تحديدًا بالذكريات والحنين للماضي!
      أشكركِ يا فاطمة على القراءة، ممتنة لأن التدوينة حازت على استحسانك.

      Liked by 1 person

اترك رداً على nuqut إلغاء الرد