الضمير المهزوم أمام اللّذة


أكتب لأن لا عاقل يحتمل التواطؤ المشهود اليوم. لأنني أرى من يشبهونني يمرّون على المجازر والتجويع وكأنها لا تعنيهم، يتناسون أن أقلّ الإيمان هو المقاطعة. نعم، مجرّد تبديل مطعم!

هل فكّرت يومًا فيما يعنيه أن تمضي يومك بشكل عادي، بينما هناك من يعيش تفاصيل نهايته؟ مجازر تُبثّ أمامنا لحظة بلحظة، وجثث تُنتشل على الهواء، وأطفال يُقتَلون واحدًا تلو الآخر، وبدأنا نسمع ونرى موت الفلسطينيين وتساقطهم أطفالاً نساء رجالاً شيوخاً من الجوع، من الجوووووع؟؟؟؟ والعالم… يطلب وجبته السريعة.

لم يعُد في وسع أحدٍ أن يدّعي أنه “لا يعلم” الصور تملأ الشاشات. قد يرتجف ضميرٌ أمام الشاشة، يشيح بوجهه، لكن ذات الوجه يستقرّ حين تصل الوجبة ساخنة، كأن شيئًا لم يكن.

ان كنت ما تزال تأكل مما يجب ان تقاطع، فأنت شريك في الجريمة. من يموّل هذه المجازر، لا يحمل السلاح بالضرورة. بل قد يكون شخصًا “عاديًا” مثلك تمامًا، يضغط زرًّا، يختار وجبته، ويقول:
“شسوي اليهال يحنّون يبون  أو أنا مالي شغل بالسياسة، الوجبة ما راح تحرر فلسطين”لكن في الواقع… كل شيء سياسي. اختياراتك استهلاك سياسي. وأين يذهب مالك في رقبتك.

وفكرة أن مقاطعة الشركات المتورطة في دعم الإبادة تضر بالاقتصاد المحلي فكرة سخيفة، تتجاهل أساس هذه الامتيازات التجارية، لأن نسبة من الأرباح تعود للشركات الأم، سواء عبر رسوم الامتياز أو سلاسل التوريد. الادّعاء بأن المقاطعة تضر “بمجتمعنا” يعكس فهمًا سطحيًا للاقتصاد ويُستخدم كأداة لصرف النظر عن المسؤولية الأخلاقية. هي هي الشركات عينها التي ضخّت ملايينها دعمًا للآلة العسكرية الساقطة التي تقتل الأطفال، وقدّمت خدمات مجانية للجنود المعتدين، وطردت موظفين فقط لأنهم رفعوا علم فلسطين، ثم رفعت دعاوى قانونية ضد كل من تجرّأ وقال “لاء”

كأن الطفل الذي اختنق تحت الأنقاض لا يعني شيئًا، ما دام المشروب الأسود بارد والبطاطا مقرمشة! أي لذةٍ في الطعام ستُنسينا طعم القهر؟

أنا لا أطلب منك أن تنقذ العالم. لكني أطلب شيئًا بسيطًا: أن تقف مع الحق، على الأقل فيما يمكنك أن تتحكم فيه. أن ترفض أن يكون مالك جزءًا من ماكينة القتل. المضحك المبكي أن المقاطعة ليست بطولة، هي الحد الأدنى من الإنسانية لما لدينا من شعوب مسلوبة الإرادة. قد لا توقف مقاطعتك القصف والموت والظلم، لكن لا تجعل استهلاكك وقودًا له. المقاطعة ليست “ترند”، ولا بدعة جديدة. هي سلاح سياسيّ واقتصاديّ استُخدم عبر التاريخ في وجه الظلم، من جنوب إفريقيا زمن الأبارتايد إلى الهند تحت الاستعمار البريطاني. نحن أقوى مما نُقنع أنفسنا به.المقاطعة ليست فقط عن الجوعى تحت الحصار، بل هي أيضًا عن كرامتنا نحن. هي أن نختار ألا نكون شركاء في القتل، ولو بسكوتنا أو نقودنا.هي أن نقول لا لأن الصمت أصبح خيانة.


أنت لست عاجزًا. لك صوت، ولك مال، ولك تأثير. ربما لن تُغيّر العالم وحدك، لكن على الأقل، لا تكن جزءًا من خراب هذا العالم.

 اللهم لا تجعلنا ممن أحبّوا راحتهم وأموالهم وأوطانهم أكثر من حبّهم لك ولدينك وللمستضعفين. اللهم اجعلنا ممن لا يألفون القتلَ في الأخبار وكأنه لا يعنينا. اللهم لا تفتنا كما فُتنوا، ولا تجعلنا من الذين قالوا آمنا بألسنتهم وخذلوا بأفعالهم. اللهم إنا نسألك الثبات، والصدق، والبصيرة، والنجاة يوم يُبعثر ما في الصدور.

اللهم إن النصر منك، فأنزله، وإن الفرج منك، فقرّبه، وإن العدل عدلك، فأقمه في الأرض يا أرحم الراحمين. اللهم إنهم أهلنا، فاحفظهم، وإنهم شهداؤنا، فتقبّلهم، وإنهم في كرب، فأغثهم، يا حيّ يا قيوم، برحمتك نستغيث.


Posted

in

by

Comments

أضف تعليق