حجرة العجائب

هل سبق لكم وأن جلستم في غرفة بها أكثر من 25 ساعة حائط؟ أنا أعيش هذا الإحساس كلما جلست في غرفة جدّي محمد. لكم أن تتخيلوا صوت تحرّك عقارب الساعة لهذا الكم من الساعات في الوقت ذاته. صوت منتظم، مستمر.. خافت لكنّه مزعج! اتعجب من استطاعة جدي النوم بحضور صوت الساعات المربك، لكنه اعتاده بالتأكيد لأن هذا هو حاله لسنوات عديدة، بل أنني أجزم أنه يصعب عليه النوم من دونه. اليوم تأتيني رغبة الكتابة عن غرفة جدّي لأننا جميعًا نفتقد “حسّه” فيها. قالت لي جدتي أمس أنها كل يوم تستيقظ فتشعر بوجوده في حجرته، ثم تتذكر أنه ليس في المنزل، أيدتها لَچمي. اليوم هو اليوم الـ 18 منذ دخوله المستشفى بعدما ظننًا أن دخوله لن يستغرق ساعتين. أنا حاليًا أكتب هذه التدوينة من المستشفى.. في رفقته. هو أمامي يرسم، يسمع ويدندن أغاني محمد زويّد وعبد الله فضالة التي تشتغل متتابعة.

في منزل جدّي القديم كانت لديه غرفة شبه منفصلة عن المنزل لها باب خاص. كانت الغرفة متعددة الوظائف. هي مجلس، معرض مصغّر، وورشة تصليح ساعات، تلفزيونات، وأي جهاز لا يعمل يقع بين يديه. مكان للهروب عندما يحتشد المنزل بالناس، بالإضافة إلى وظيفتها الأساسية؛ غرفة نوم. وأنا أحب أن أتصور غرفة جدّي بأنها حجرة العجائب (Cabinet of Curiosities) لأنني دائمًا أجد أشياء صغيرة، عجيبة، غير متصلة في بعضها، مرتبة ومعروضة تنتظر مني اكتشافها! أشياء حتى أنني أستعجب لماذا قد يريد أي شخص الاحتفاظ بها؟

كان باب الغرفة الأساسي زجاجي، يرى من خلاله ما يحصل في الباحة الخلفية، وتطل الغرفة على أكثر مكان حيوي في المنزل كلّه؛ المطبخ. كانت وظيفة المطبخ لا تقتصر فقط على أنه المكان الذي يتم تحضير الطعام به، بل كان أكثر من ذلك بكثير. جدتي تقضي معظم وقتها هناك، فإذا كانت غرفة جدي بمثابة ورشة عمل له، فالمطبخ هو ورشتها هي. ما أريد قوله إن تحركات كل من يروح ويجيء من وإلى المطبخ محصورة، لأنه لا بد من المرور على نقطة التفتيش هذه التي تسمى غرفة جدّي.

عندما كنا صغارًا كنا غالباً ما نمر بسرعة ركضًا أو هرولة تفاديًا لسماع مناداة جدي لنا، لا يزال أبي يذكرني بهذه المواقف ونضحك عليها. وإذا لم تكن لديكم أية فكرة، فاحتمالية أن تتم مناداتكم من قبل جدي فقط لأنكم مررتم من أمامه ولمحكم تحصل بنسبة 99.9٪ حتى لو لم يكن يريد شيئًا مهمًا. جدّي محمد من أنقى الأشخاص الذين أعرفهم. يحمل قلب طفل، أنعم الله عليه بدهشة لا تنطفئ بالأشياء، بارد الأعصاب، منظّم، دائمًا ما تجده يمسح الغبارعن الأشياء في الغرفة، أو أنه اكتشف خرابٌ ما ويحاول اصلاحه، أو يغيّر بطاريات، يفكك راديو أو تلفاز. وما شاء الله، في غالب الأحيان يكون في مزاج جيد للدردشة والمزاح، وهذا بدوره يتطلب منك انتباهك وصبرك على طبيعته الهادئة في الكلام. ولكننا لا نكون كذلك في جميع الأوقات، فهذا هو سبب التهرب من سماع أسماءنا تنادى عندما نقصد المطبخ صغارًا.

من أكثر ما يميّز تلك الغرفة في المنزل القديم أن الحائط كان قليل الفراغات. يملئ الحائط لوحات، مسابيح، عصي، وغيرها من القطع المختلفة. تشكل ساعات الحائط 80% من القطع المعلقة. العجيب هو أن الدافع وراء تجميع الساعات ليس أنها تحمل تاريخ أو قصة بالمعنى المتعارف عليه، بل أن أغلبية القطع/الساعات يجلبها الناس إلى جدي ليصلحها، يكون بها عيوب أو كسور، قد يفقدوا أصحابها الأمل في تصليحها كما يريدون، يتخلون عنها فتبقى عنده ويحتفظ بها، أو أن يتم إهداءه ساعة/قطعة، فتنضم إلى المجموعة. أنا متأكدة أن هواية تفكيك وتصليح الأشياء التي يعشقها جدّي هي السبب في استمرار تجميعه للساعات إلى اليوم، أي كما أسلفت، الدافع ليس التجميع وانما التصليح ثم يصعب عليه التخلّص. لا أعرف السنة التي بدأ بها في التجميع لكنها أكثر من 30 سنة بالتأكيد.

الساعات لا تعلّق فقط، وإنما يتم تنظيفها وتغيير بطاريتها باستمرار فمن الشروط أن تعمل جميع الساعات بشكل صحيح. حاليًا أبنة خالتي أسماء استلمت مهمة تغيير بطاريات الساعات ومساعدة جدي في تنظيفها بين كل فترة وأخرى بإشراف مكثف من قبله. يذهلني اهتمامه بترتيب أشياءه بطريقة معينة، منظّمة، متناسقة الحدود والقياسات.

لا يهم عدد السنوات التي مرّت على وجود الساعات وألفتنا لها، الا أنها كانت هنالك ساعة كبيرة دائمًا ما تفزعني عندما يخرج العصفور من الباب الصغير في منتصفها معلنًا تغيّر الوقت. لم تعد هذه الساعة المفزعة موجودة، مع الأسف أنه بعد ما تم تغيير المنزل مؤقتًا إلى أن يتم هدم وإعادة بناء المنزل الحالي، فقد جدي العديد من الساعات والقطع التي قام بتجميعها على مر السنوات. ولم يكن تنسيق القطع الحالي بالضرورة كما أرادها هو.

تمنيت لو أنني أجد صورة للغرفة القديمة. ولكن لا بأس، أشارككم هذه الصور من حجرته الحالية:

هذا كل ما لدي اليوم، لا اراكم الله مكروهًا في أحبتكم. 


Posted

in

by

Tags:

Comments

أضف تعليق