خمسة وعشرون عامًا من الأسئلة

تراكمت الكلمات والقصص على صدرك طيلة الفترة الماضية، حاولت الكتابة، ست جلسات جديّة للكتابة بلا جدوى، تشهد عليها ملفات ورد غير مكتملة على سطح المكتب. تحدث الأشياء، وما يحدث هذه الأيام استثنائي، لكنه بدأ يخنقنك ويشتتك، صراحة. وفي محاولة للتنفيس، أنت تبحثين عن مواضيع لتكتب عنها. فكرت ما إذا كان يتوجب عليك أن تكتب شيئاً بمناسبة مجيء ذكرى يوم ميلادك، ألا تبدو مناسبة جيدة لتقيؤ الكلمات التي تخنقك؟ بدأت الأسئلة تطوف المكان.

عندما فتحت صفحة فارغة على حاسوبك، طبعت أصابعك عنوان، كان عنوانًا متفائلًا للدرجة التي جعلتك تشعرين بالاشمئزاز. هه، حقًا؟ هل أريد أن أكتب عن هذا؟ تقولين لنفسك، بدأت الأسئلة المشككة مرة أخرى، لكن أصابعك عارضتها. بدأت أصابعك بالتمرد تود أن تكتب عما يدعو للأمل.. على سبيل التغيير. تحاول أصابعك أن تقنعك بجدوى الفكرة المتفائلة والكتابة عنها؛ تأبين الطاعة. لكنّك فكرت… هل رضخت؟ هل تكتبين خمسة وعشرون شيئًا وماذا تعلمت؟ يبدو منطقيًا في مناسبة كهذه، تقول لك أصابعك. هل تكتبين مراجعة للسنة، أهم ما حدث فيها وماهي تطلعاتك في السنة المقبلة؟ بدت الفكرة محمّسة. تحاول أصابعك أن تساعد بكل ما تملك لأنك أخيرًا تقتنعين. تحاول.. حاولت كثيًرا.. كتبت لك سؤال في أول الصفحة بخط عريض، حركته من يمين الصفحة إلى منتصفها حتى يكون بمثابة نقطة انطلاق لك تحفز كلماتك على المجيء، ولكن الكلمات خذلتك ولم تأت.

تقرأين السؤال، مرة.. مرتين.. خمس. ولكن السؤال هو الآخر يعلن العصيان ويأبى التعاون. هو الآخر ملّ من كمية التحديق به بلا نتاج. سرحت تفكرين في فكرة السؤال في حد ذاتها، لماذا نسأل؟ تحاولين تذكر المرّة الأولى التي سألت بها، تضحك عليك ذاكرتك. تلُّح، ما أول شيء شد انتباهك لتسأل عنه يا ترى؟ هل أتاك الجواب؟ وما كان شعورك عندما تحسست حلاوة معرفة أجوبة الأشياء؟ حسنًا، لماذا لا تكتبين عن “السؤال”؛ تبدو العلاقة بين هذا الموضوع وما تشعرين به هذه الأيام وثيقة.

” وحده السؤال منحة العقل ومحنته “

تحاولين التذكر. بدأ وحش أسئلتك الصغير بأسئلة من نوع “لماذا يعيش السمك في الماء، ولماذا الإثنين قبل الثلاثاء” ووصل إلى الـ “لماذا نحن هنا؟”. تتلونين وتتنكرين خلف كلماتك لتصيغي السؤال ذاته خمس مرات، أنت تريدين الوصول إلى الجذور، الأصول، والحقائق، غير أنها تستحيل. يكبر وحشك كلما ازداد عمرك رقمًا، يكبر من خلال الأسئلة، فهكذا يتغذى. تبحثين عن ضالتك في كل مكان يمكن ان تقع يدك عليه، في الكتب، القصاصات، الأفلام وحتى الألعاب السخيفة التي تلعبينها عندما تبحثين عن علامات في محيطك. أنت متيقنة من أحقيتك بالسؤال ولهذا أنت تبحثين عن إجابات، أنت تريدين الأجوبة بأي ثمن حتى لو كانت لا تريحك. مر حقيقة الأشياء ولا راحة وهمها، ترددين في نفسك دائمًا. لو أن سائلًا يسأل ما إذا كنت الأقرب إلى منوال* أو عرزال*، ستختارين أن تكون منوالًا بلا شك لأن الأسئلة تشغلك مثله تمامًا، فـ”السؤال.. وحده السؤال منحة العقل ومحنته” ولأنك متأكدة أنك لا تريدين أن تكوني عرزالًا “لا تسألين نفسك يومًا عن مواضع أشياءٍ اعتدتها منذ مولدك” بيد أنك في قرارة نفسك تعلمين أنهما الشخص ذاته.

تحبين الأسئلة.. تحبينها لأنك تحبين أن ترد الأشياء إلى تفسير. تفسير الأشياء ومعرفتها تجعلك تشعرين أنك في حالة انضباط مستمر وسيطرة، بيد أن من خصائص الدنيا الأساسية أنها خارجة عن السيطرة والانضباط. نحن في سلسلة متواصلة من الكَبَدْ.  ألا يمكن لهذه الرغبة الشكاكة، التي تريد أن تعرف كل شيء يقينًا أن تبعدك عن تجربة الحياة الدنيا بسلام؟ ما إذا كانت الأجوبة هي الأخرى متلونة ولا تحمل وجهًا واحدًا للحقيقة؟ أنت في مأزق.. صراحة.

وفي حين أنك في مأزق كهذا بين أشياءٍ لا آخر لها، ولا مرسى لها.. أنت تحاولين الاستنجاد بأحدهم. أحدًا يشبهك، مرتبك، لديه وحشه الخاص، وحش أسئلته يريد أن يمارس هوايته المشبوهة، أن يسأل ويتساءل. كل ما تحتاجينه هو أن يشاركك أحد هم حمل الأسئلة والبحث عن أجوبه. تعجبك هذه الفكرة كثيرًا؛ فكرة بحثك عن ملجأ في أحدهم، لكنك لا تجدينه على أية حال. حتى وان ضحكت لك أيامك ووجدته، لن تجرؤ على إسدال ستار أسئلتك وتشاركها، ما فائدة بحثك عنه إذًا؟ كم مرة قلت لك أنك في مأزق؟

تقول أمك أنكِ كنت طفلة هادئة. تحاولين أن تتذكرينك، ذاكرة مشوشة وضبابية في بعض مراحل عمرك، وأخرى واضحة وقوية تشمل الروائح، الأشخاص، لون ملابسهم وحتى الأثاث. لو كان يمكنك السفر عبر الزمن، ستجدينك مثلما قالت لك أمك، هادئة، غير أن هذا هو الانطباع الخارجي بناءً على عدد الكلمات المنطوقة. وأنت تعلمين، أننا نفكر أكثر مما نقول. في الحقيقة، أن أكثر ما تذكرينه عن طفولتك هو حديث النفس الذي كنت تقلبينه في رأسك آنذاك، تساؤلاتك عن الأشياء، لا تتذكرين قيامك بالسؤال واخراج الأسئلة من رأسك والبوح بها ضرورةً، ألا أنك بالتأكيد فعلت.

كيف كانت علاقتك مع الأسئلة في مرحلة الطفولة؟ تتساءلين ما إذا كانت الفكرة واللغة هما شيئان مختلفان. تعلمين أن اللغة وسيلة للتعبير عن الفكرة. أذن، الفكرة تسبق اللغة. ولكن، في الوقت ذاته، ألا أحتاج إلى اللغة أولًا حتى أتمكن من إقامة حديثٍ داخلي، أي أن أفكر؟ كيف يفكر من لا يستطع التعامل مع اللغة بشكل مباشر؟ كالأطفال أو الصم مثلًا. يا ذا الأسئلة.

اليوم يصل عمرك إلى رقمٍ كنت ترين من يكونه هو شخص وصل إلى حقائق الأشياء. لا يفترض بك أن تكوني في الخامسة والعشرين وأنت لا تزالين لا تعرفين، من يصل إلى الخامسة والعشرين لا بد وأن يكون محاطًا باليقين. هذا هو العمر الذي عنده تكونين قد خلقتي عالمك المنطقي، المعقول، المليء بالأجوبة التي تفسر الأشياء. هكذا كنت تتساءلين، لكنك الآن تعلمين. أنت فتاة دخلت الخامسة والعشرين توَّا، ستموتين وأنت تبحثين عن أجوبة. لا بد وأن الخيبة تطوف حولك الآن وتطوقك لأن هذه أبدًا ليست صورة أناكِ التي طالما تخليتيها في هذا العمر؛ فتاة تعرف.. تعرف جيدًا ماذا تفعل، تعرف الحقائق عن الأشياء، متيقنة، لا تخاف.. بالإضافة إلى قائمة طويلة من الصور المتخلية عن أناكِ اليوم. حاولي أن تتعاملي مع خيبتك هذه في أسرع وقت إن أمكن، لأنك إن فعلتِ ونجحتِ، عندها فقط ستكبرين. إذ ان من مفاتيح الحياة التي تجنبك المتاعب في شتى مستوياتها أن تميّزي ما بين “أناكِ المثالية” التي تتخيلينها وتحلمين أن تكونيها، و “أناكِ الحقيقة” التي هي ما أنت عليه بالفعل نتاج واقعكِ وتجاربكِ والقدر، لا تخلطِ الأمور.

لعل فكرة الكتابة عن “السؤال” التي توسلت بها مهربًا عمّا كان يخنقك كانت متنفسًا جيّدًا. استمتعي الآن بهذا الانجاز، عودي للإختناق غدًا. في الحقيقة الأمر مختلف، وأنتي تعلمين. يبدو أن النص سوداوي ومتخم بالإحباط.. ولكن صدقيني، في لبّه هو عكس ذلك تمامًا، فأنتِ تعرفين أنكِ لا تعرفين، ألا تحثّك هذه الحقيقة للعمل أكثر؟

كل عام والفجوة ما بينك وبين الأجوبة تتسع، كل عام وأنت تبحثين عن أسئلة جديدة لتقليصها، لأن هذا ما يبقيك على قيد الحياة.

*شخصيات من رواية حمام الدار لسعود السنعوسي.


Posted

in

by

Tags:

Comments

أضف تعليق