عن متاحف مشيرب، بعض الذكريات، والعبودية

يجري الكثير مؤخرًا في مشيرب من افتتاح مطاعم، فنادق، وفعاليات آخرها أنشطة ممشى السِّكة بطابع المثلجات. إلى جانب ذلك، توجد أنشطة أخرى في مشيرب تقدم تجربة ثقافية فريدة، إلا أن الكثير ممن صادفت يجهل وجودها. توجد أربعة متاحف في مشيرب تم افتتاحها في اكتوبر 2015 كانت مبانيها في الأصل بيوت أناس عاشوا في هذه المنطقة. الأربعة بيوت هي بيت الشركة، بيت الرضواني، بيت محمد بن جاسم، وبيت بن جلمود. يروي لنا كل بيت جانب معيّن من التاريخ القطري. المميّز هو أنه الموضوع الذي يغطيه كل متحف له علاقة بتاريخ البيت واستخدامه في السابق.

يتطرق بيت محمد بن جاسم إلى ماضي البلاد وحاضرها بالتركيز على موضوع الاستدامة والتطوّر المعماري. وبيت الرضواني يقدم لنا تجربة تفاعلية مع الحياة اليومية القطرية ويحتوي على موقع أثري بداخله. الجميل في بيت الرضواني أنه بإمكاننا لمس، شم، والجلوس على كل المعروض من وسائد، أثاث، أدوات، وغيره؛ وهذا من النادر أن تقدمه لنا المتاحف بشكل عام.  

بيت الشركة يروي لنا قصص من عملوا في شركة النفط ودورهم في بناء المجتمع القطري الحديث. العجيب أنني على عدد زياراتي المتكررة له طوال السنوات القلية الماضية، لم أكتشف وجود صورة جدّي (صورة لفريق دخان لكرة القدم) معلقة في إحدى غرف المتحف إلا مؤخرًا في يناير 2020، على الرغم من أن الصورة مألوفة لي جدًا وأراها بإستمرار لأنها معلقة على الحائط في غرفته. توقيت هذا الاكتشاف كان مهمًا لأن جدّي كان معي في تلك الزيارة. أذكر أننا تحمسنا كثيرًا وكنت سعيدة لأنه تمكّن من ان يكوّن ارتباط شخصي مع محتوى المتحف، وأنا كذلك. دخان لها مكانة كبيرة عند جدّي الذي عمل بها من سن مبكر جدًا. لا أخفيكم أن دخان، وأيام دخان، وأكل دخان، وأصدقاء دخان، وذكريات دخان، هي عنصر أساسي في معظم جلساتي معه. وهذا غير مستغرب فدخان وأيامها تشكل أهم فترة من حياته؛ الشباب. 

 وهنا أشارككم الصورة من تلك الزيارة، والصورة المعلقة في غرفة جدّي.

أما بيت بن جلمود، فهو يلقي الضوء على الإرث المرتبط بالألم؛ عن العبودية. أول مرة زرت فيها متاحف مشيرب كانت لبيت بن جلمود. كان يوم جمعة بتاريخ 9 ديسمبر 2016، أي بعد سنة وثلاث شهور من افتتاحه. أذكر ذلك اليوم جيدًا، ورجوعي إلى ألبوم الصور أنعش ذاكرتي بشكل أكبر! كانت مشاعري مختلطة بعد الزيارة، وهذا ما تؤكده مذكراتي، غير أن الأثر الذي تركته الزيارة استمر مما قادني لزيارته مرة أخرى بعد عدة أيام. 

وهنا، عزيزي القارئ قبل أن تسترسل في القراءة، أودّ أن أحثّك على الاستماع إلى هذه الأغنية، يعني.. دعنا نخلق الأجواء المناسبة. 

الكلمات كما أسمعها:

غزير الماي يا جويرة 
امي وابوي في الجزيرة 
 
طلبت الماي ما سِݠوني 
انا الغريب همّلوني 
 
يا عمتي يا منيره 
حس الطبل في الجزيرة 
 
جابوا الݠيود قيّدوني 
جابوا الكرباج كربكوني
 
بݠيد الحديد ݠيّدوني
سوق الحراج نزّلوني
 
يا ليتني عبد مكرٍ
حسبي على من شراني
 
يا ليتني حب مݠلي
حتى الطيور يأكلوني

بن جلمود

بن جلمود يقدم زاوية مغايرة وفريدة من نوعها نكاد لا نرى مثيل في الوطن العربي على وجه الخصوص. وأنا أعتقد أنه من أهم متاحف مشيرب الاربع. أقول من أهم المتاحف لأنه يتطرق إلى موضوع حساس ومن النادر جدًا أن نرى من يتعامل مع الجانب المظلم من موروثه بشفافية وانفتاح. لأن مواجهة الماضي والاعتراف به وبكل ما احتواه من فضائع أمر غير شائع. دائمًا من يتحدث عن ماضيه يركز على الأمجاد ويغض النظر عن الزلات، أمّا بن جلمود فهو يقدّم لنا منظور مختلف. ولكن، في الوقت ذاته هذا لا يعني أن الكيفية التي تطرق لها بن جلمود لموضوع الرق كافية. أعتقد أنه كان بالإمكان تغطية الموضوع بحيادية أكبر.

إذا قمنا بتقسيم محتوى المتحف، فيمكننا القول ان هنالك ثلاث سياقات رئيسية؛ العبودية عبر المحيط الهندي، العبودية في السياق القطري، والعبودية الحديثة حول العالم. ومن خلال الأخيرة، يمكننا أن نرى وجود بن جلمود كأداة ناعمة لإرسال رسائل للمجتمع الدولي من خلال نبش هذا التاريخ الحساس وفتح النقاش للعامة خصوصًا بعد الحملات العالمية التي ركزت بشدة على قضايا العمال بعد قرار منح كأس العالم 2022 للدولة ومشاريع البناء الضخمة له. اعتقد أنها خطوة فطنة.

بالنسبة للعبودية في السياق القطري، خُصص لها سبعة غرف. بدا لي أنهم تطرقوا إلى موضوع العبودية في هذا الجانب بحياء. كان جلّ التركيز على أن المستعبدين كانوا يشتغلون في البيوت وتتم معاملتهم وكأنهم من العائلة، وتطرقوا إلى المستعبدين الذين كانوا يعملون خارج المنازل في صيد اللؤلؤ تحديدًا، أي أن الرواية الهيّنة من هذا التاريخ هي السائدة في رواية المتحف عن قطر. أعتقد أن هنالك مساحة كان من الممكن أن تتم مناقشة الموضوع من خلالها بشكل أفضل، لأن العبودية عبودية.. لا توجد عبودية لطيفة. ولكنها خطوة جيدة، أي وجود متحف يتطرق لموضوع كهذا يفتح آفاق جديدة للنقاش، وهذا ما نأمل. إضافة إلى أنه يقدم قراءة عن الهوية الثقافية القطرية، بناءها وتطورها، والأهم من ذلك، تنوّعها.

في آخر غرفة مخصصة للعبودية عن قطر، تحكي لنا فاطمة شداد قصة عائلتها. هذا الجزء لامسني بشكل كبير. ليس من السهل الخروج والحديث عن موضوع كهذا، خصوصًا هنا. كانت هذه أصلًا من أبرز التحديات التي واجهت القائمين على المتحف؛ جلب الناس للتحدث. وجود متحف يوثّق هذا الجانب غير المادي، الحساس، من التاريخ القطري يساهم في الاستدامة الثقافية ويمثل مرجع مهم للتاريخ الشفوي. وحقيقة أن المبنى بحد ذاته كان منزلًا يملكه تاجر رقيق في السابق وتم تحويله ليكون بمثابة متحف يُسمح للناس بتتبع التاريخ فيه، يأخذنا في هذه التجربة إلى مراحل أخرى!

يجب ألّا أنسى أن أشير إلى التقنية المستخدمة في بن جلمود، وكيف أنها عظيمة! على أنها تخففّية (Minimal) إلا أنها كل ما يحتاجه الزائر ليتفاعل ويتأثّر.

لدي الكثير لأحكيه عن مشيرب، حبًا وعتبًا، ولكنني أكتفي اليوم بهذا القدر.


Posted

in

by

Tags:

Comments

أضف تعليق