لماذا يجب علينا أن نأخذ التخفّف الرقمي بعين الاعتبار؟

التخفف “Minimalism” كنمط حياة فكرة تروق لي كثيراً، ويسعدني أن الكثير أصبح يتحدث عنها ويسلكها مؤخرًا. ربما سأقوم بمشاركة تجاربي في التخفف عن الطعام والممتلكات المادية (شكرًا ماري كوندو) في المستقبل القريب. على أيٍ، في هذه المقالة أود التركيز على الحديث عن التخفف الرقمي “Digital Minimalism” ولماذا علينا أن نأخذه بعين الاعتبار. الحديث عن التخفف الرقمي حديث لا نهائي لأن جوانبه كثيرة. لكنني اليوم أختار الحديث عن تجربتي الشخصية، كيف تنبهت لوجود مشكلة في استخدامي للهاتف تحديدًا، وما هي الإجراءات التي ساعدتني على التخفّف والتقليل من الإدمان. 

ولكن قبل الاسترسال في الكتابة، أود أن أعرّف التخفّف، والتخفّف الرقمي، حتى يكون الفهم مشتركًا. 

  • التخفّف

كنمط حياة، التخفّف هو تقليل كل الأشياء التي لا نحتاجها في حياتنا والتي تثقلنا، والتركيز على ما يهمنا حقًا. أو بطريقة أخرى كما يقول كال نيو بورت، التخفف هو “فن” معرفة القدر الكافي. أن نستهلك ما نحتاج إليه ونرغب به، بعيدًا عمّا يمليه علينا المجتمع. ونحن هنا لا نتحدث فقط عن الممتلكات المادية، بل حتى الطعام، العادات، العلاقات، وكمية المعلومات التي نستهلكها يوميًا. 

  • التخفّف الرقمي

أنقل هنا ما يشرحه كال نيو بورت، صاحب كتاب ” Digital Minimalism: Choosing a Focused Life In a Noisy World عن التخفّف الرقمي، والذي قمت بترجمته بتصرّف: 

التخفّف الرقمي هي فلسفة في استخدام التكنولوجيا، تحفزك على التساؤل عن أدوات الاتصال الرقمية (وكل السلوكيات التي تحيطها) وما هي القيمة التي تضيفها إلى حياتك. يحثّك التخفّف الرقمي على تركيز وقتك على الإنترنت على عدد صغير من الأنشطة المختارة بعناية التي تساعدك على دعم وتشجيع الأشياء التي تقدرها، ومن ثم تفويتك الأشياء الأخرى ذات القيمة المنخفضة لن يشعرك بالذنب. 

الدافع الرئيسي لهذه الفلسفة هي الاعتقاد أن التقليل المتعمّد الذي يكافح الضوضاء الرقمية منخفضة القيمة، والتركيز في الأدوات ذات العائد والقيمة الحقيقية، يمكن ان يحسن حياتك بشكل ملحوظ. 

التخفّف في ثقافتنا الإسلامية. 

بغض النظر عن السياق الغربي الذي أنتج التخفف كتيار ثقافي، ردة فعل لمظاهر الرأسمالية، الا أنني أجد ما يقابل هذا المفهوم وأهميته في ثقافتنا الإسلامية. هنالك الكثير من الآيات التي تتحدث عن أهمية استخدام الناس ما أنعم الله عليهم بما ينفعهم؛ وعدم غلوهم وافتتانهم في الدنيا، وألا تكون الدنيا أكبر همومنا. أول آية من سورة التكاثر؛ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1)، دائمًا ما تذكرني بأن أتوازن، ألا أتطرف في استهلاكي للأشياء، وألا أنغمس في رغبة الاستملاك ودوامة المزيد، المزيد، والمزيد.

تتردد هذه الآية كثيراً في رأسي في كل مرة أواجه بها سلوك استهلاكي في المجتمع، وسلوكياتي الشخصية ليست استثناء. لأن التكاثر يمكن أن يكون أي شيء، كل شيء. 

ما هي المشكلة؟

عندما سمحت لأناي اليقظة أن تتمعن وتشاهد أناي الغافلة كما لو أشاهدها من أعلى، حينها، وجدت ما لا يرضيني (ممتنة لخاصية احصائيات الاستخدام في دعم حجم المصيبة بالأرقام). وجدت أنني فعلياً كنت أعيش في هذا العالم والذي -يا للسخرية- يسمى بـ “الافتراضي” أكثر من عالمي الواقعي. كنت أستشعر الخطر، ولكنني لم أتخذ إي إجراء لتغيير الوضع. ما دفعني للتغيير، أخيرًا، هما رصد سلوكين مختلفين: رغباتي الصغيرة وتتبع أساسها، وفقداني الرغبة في سماع الموسيقى والأغاني وشبه انعدام الاستمتاع بهم بشكل غير مسبوق (لا مزاح هنا). 

قبل أن أبدأ، عزيزي القارئ، لا بد وان اشير هنا إلى أن تتبعي واستشعاري لهذه المشكلتين لم يحدث في ليلة، او في لحظة محورية واحدة. كانت تجربة تراكمية استمر تأثير صراعها النفسي عليّ شهور عديدة. 

السلوك الأول: الرغبات الصغيرة، هل هي أنا؟

 استيعابي حجم المشكلة بدأ بمراقبة الرغبات الصغيرة. مثل أن أشتهي وجبة معينة من مطعم ما، ثم أتذكر أنني شاهدت فلانة نشرت صورة من ذلك المطعم قبل ساعات. هي أثّرت على سلوكي بلا وعيٍ منِّي. أو أنني عندما رأيت ذلك الكتاب لم أستطع مقاومة عدم شراءه، ثم أتذكر أنني ألفت الكتاب بسبب تلك التغريدة. أو أنني عندما أستيقظ من نومي واسترجع ما حلمت به، غالباً ما يكون حلمي عبارة عن توليفة عشوائية مما مر خلال اليوم السابق من أخبار وصور عند تصفحي للمواقع. أي، رغباتي الصغيرة وأفكاري رهن ما أشاهد، هي ليست أصيلة المنبع. وهذه الأمثلة هي فقط للتوضيح، ولكن عزيزي القارئ، أنت تعلم أن المشكلة أكبر من ذلك، صحيح؟

أخيرًا أنتبه، أن ما أشاهد خلال يومي يسيطر علي. أنا أفقد السيطرة. وهذا ليس مزعجًا وحسب، إنه مأزِق! أنا لا أقول إننا عندما نشعر برغبة ما بسبب أشخاص آخرين هو بحد ذاته سلوك سيء، ولكن السيء عندما يصبح هذا نمط، وأن يكون جَلّ ما أتغذى عليه هي معلومات كهذه! وهذا النمط، بدوره، تكوّن بسبب الإدمان على تلقي المعلومات غير المهمة بدون إدراك. فإذا كانت مدة استخدامي لهاتفي هي 44 ساعة في الاسبوع، فأنا أقضي أكثر من نصف الوقت (28 ساعة) تقريبًا بقراءة/مشاهدة أين ذهب الناس اليوم، ماذا يأكلون، وماذا يفكرون، ماذا يقرأون (بدون مبالغة، انظر إلى الصورة).

إذن، أنا متورطة بإدماني على هذه المواقع والتنقل بينها. متورطة لأنني في هذه المواقع أجد الكثير من التجارب والأفكار التي تساعدني على الكتابة، الرسم، القراءة، واكتشاف أغاني رهيبة! ولكن، في حين أنها تتيح منصة لنشر الأعمال، وربطنا بالعالم وما يقدمه من أفكار جديدة، إلا أن الفوائد التي نكتسبها من هذه المواقع عندما نقارنها بمساوئ الانغماس المفرط فيها، مخيفة.

ما هي مشكلة هذه الرغبات الصغيرة؟

المشكلة باختصار هي شعوري بانعدام السيطرة والانضباط على المستوى الشخصي. وهذه المشكلة لها مستويين داخلي (رغبة الفرد في إحداث تغيير/تأثير) وخارجي (تأثير الناس على الفرد). على المستوى الخارجي، كما شرحت، كنت اعتقد أنني امتلك حياتي، وانا المتحكم الرئيسي لكنني اكتشفت عكس ذلك تمامًا. أهواء الناس كانت، من غير إدراك مني، تقودني. أي أن المعلومات غير المهمة، والتي تشكل معظم وقتي على هذه المواقع أثرت على سلوكي بطريقة ناعمة، حتى أنني لم أعد أفرق بين رغباتي الحقيقية ورغبات الناس أحيانًا. 

على المستوى الداخلي، هذه المواقع هي منصات تسمح للأفراد بالتعبير عن طموحاتهم، اظهار رغباتهم لجمهور كبير، ومشاركة نجاحاتهم. غير ان هذه النجاحات قد تكون محدودة ووهمية، ولكن الحصول على تقدير وعائد مباشر من خلال “الإعجاب” والتعليقات الإيجابية من المستخدمين تعظم الشعور مشاعر الفردانية (Alarcón & Sarabia, 2012). 

هذا بالضبط الفخ الذي لا أريد. لا أريد أن يكون السبب الذي يدفعني لصنع الأشياء هي ردود الأفعال والتقدير. نعم، اريده، ولكن ليس بهذه الطريقة. يجب أن يكون العمل أصيل، أن يرضى عنه صانعه حتى وإن لم يشاركه مع الآخرين. بعد ذلك، إن أتى التقدير والإعجاب، فأهلًا وسهلًا. لا أن يكون السبب الحقيقي وراء اللهث إلى العمل هو الحصول على التقدير في المقام الأول. غير أن هذه المواقع مصممة لتضخيم الأنا عند الناس. فجل ما نتغذى عليه هو ما يفعل الناس والتعرف على معلومات من قبيل “اللي يتابعني من زمان يدري شكثر أموت على الشيء الفلاني”. حسناً، سأختار أن اترك الحديث عن هذا الموضوع في وقت لاحق، فلست مستعدة لنبش هذا الجانب بعد، واعتقد أنه يستحق مقالة منفصلة. 

نعود إلى الفكرة السابقة. اعتقد ما جعلني أفقد السيطرة والانضباط، أنني أشعر دائمًا بأن هنالك شيء ما يجب أن أراه، يجب ألا يفوتني! وكأنني في سباق، لكن بدون وجهة. شعور مرهق على المدى الطويل. تقول Fonseca, 2019)) ان المحتوى سريع الزوال، مثل خاصية القصة في الانستݠرام يحفز شعور الـ “FOMO” أو بما يمكن أن نسميه (الخوف من تفويت الأحداث). فالفومو، هو خوفنا من تفويت ما يحدث في مواقع التواصل عندما نكون غير متصلين، وهذا أصبح مصدر قلق كبير بين العديد من الشباب (ص 220). هذه المنصات عبثت بنا إلى الدرجة التي أصبحنا نعتقد أن الأشياء والأحداث من حولنا أكثر أهمية مما هي عليه.

يقول مارك مانسن في مقالةٍ له تحت مسمى حمية الانتباه “هنالك بعض الأطراف التي تنتهك انتباهنا، بداية، هنالك فائض هائل من الأشياء التي يجب الانتباه إليها، وكلما زاد الاهتمام بالأمور التافهة، زادت صعوبة اختيار ما يجب التركيز عليه، ناهيك عن الاستمرارية في التركيز عليها!”. وهنا، يحب علينا تحية مهندسي هذه المواقع الذين نجحوا في سرقة انتباهنا من خلال خاصيات مثل قصة الانستݠرام -الستوري- التي جعلتنا ندمن على المحتوى التافه. فالفومو (إدمان) أصبح عاملاً مهمًا في جذب انتباهنا، والذي لا يخفى عليكم أنه هو السلعة التي تبيعها هذه المواقع إلى المعلنين والمستفيدين.

سنتحدث أكثر عن كيف نتخلّص، أو نقنّن من هذا الشعور المقيت في آخر جزئية من المقالة.

السلوك الثاني: عدم الرغبة في سماع الموسيقى والأغاني

أصبحت الموسيقى مصدر ازعاج لي أكثر من كونها مصدر راحة واستمتاع. وجدت أنني فعلًا لا احتمل اكمال بودكاست يحتوي على موسيقى في الخلفية. صوت العود قبل وقت الأذان في الراديو لا يحتمل (بالمناسبة، ما أساس هذا العرف؟)، صوت ضغطات الزر، مشاهدة فيديو بصور تتحرك بسرعة، مثل الأفلام. الذهاب إلى المجمعات التجارية بكل ما فيها من صور وأصوات، وحتى إضاءة منزلنا العادية كانت تجلب لي الصداع، كنت دائمًا ما أجلس بإضاءة خافته. ما أريد قوله، في تلك الفترة كانت الأشياء التي تتطلب حاسة البصر والسمع.. ترهقني. كنت أشعر بوجود مشكلة حتمًا، وكنت دائمًا ما أحاول إيجاد تفسير. في البداية، لم أجد تفسير لذلك اخترعت واحدًا:

 ما اواجه يوميًا من محفزات من هذه مواقع التواصل الاجتماعي من معلومات كثيرة في وقت قصير، جعلني أعتقد، ولو كان اعتقادي غبيًا، أنني استهلكتها-أي حواسي-. أعني، في خلال خمس دقائق قد أكون قرأت10  تغريدات في اقل من دقيقتين، لعشر مواضيع مختلفة قد تصاحبها مقاطع فيديو، أصوات، وصور، ثم يقطع تصفحي رسالة من صديقتي على الواتساب، أقوم بالرد، أتذكر التحقق من وصول بريد الكتروني من الجامعة، بعده أجدني أتحقق من الرسائل الأخرى، في الوقت ذاته أنا أشرب شاي، وصوت التلفاز في الخلفية. مرة أخرى، في خمس دقائق! ويتكرر ذلك بشكل وآخر طوال اليوم تقريبًا. هذا ما يعانيه معظمنا في هذا الوقت. مجرد التفكير بذلك مرة أخرى جلب لي الصداع! توصلت إلى قناعة أنني استهلكت حاستي السمع والبصر، وأنني حمّلت حواسي أكثر مما تحتمل، والآن حواسي تثور عليّ لتنتقم.

صديقي ݠوݠل لم يخيّب ظني، فعندما سألته قال لي أن هنالك ما يسمى ب التحفيز الزائد للحواس. ابحثوا عنها بالإنݠليزية تحت مسمى”Overstimulation” أفضل. التحفيز الزائد للحواس هو اجهاد نفسي وجسدي نتيجة إفراطنا في نشاط الحواس (السمع، الرؤية، اللمس، الشم، التذوق). أي عندما نبالغ في تحفيز حواسنا، فإننا هكذا نغذي الدماغ بمعلومات كثيرة في وقت قصير، بالتالي نثقل على الدماغ عملية استيعاب المعلومات! نعم صديقي ݠوݠل! هذا بالضبط ما أشعر به وأعتقده!

وهنا عزيزي القارئ، أنا لا أزعم أنني من هذا البحث الݠوݠلي شخصت ما كنت أعانيه بشكل دقيق، يجب ألا نثق بكل ما تقرأه عن الصحة الا من مختص. فمن الأرجح أنني كنت أمر في فترة أعاني بها من الإرهاق ليس إلا. ولكن، حينها، كنت بحاجة إلى تأييد د.ݠوݠل لتصديق أن ذلك ما كنت أعاني منه، وكان بداية استيعابي للضرورة اتخاذ إجراء لإعادة التوازن، وضرورة إيجاد بدائل بعيدًا عن الهاتف. 

ما هي الخطوات التي اتبعتها لإيجاد حل لمشكلتي؟ 

بالنسبة للسلوك الأول في تتبع الرغبات الصغيرة، الحل هو أن أختار المحتوى الذي اتابعه بعناية؛ من أتابع؟ ماذا اشاهد؟ أما السلوك الثاني، فالابتعاد عن المحفزات –الهاتف أكبر مسؤول عن ذلك- وإيجاد بدائل. أشارككم بعض الممارسات التي قمت بها لأتخفف رقميًا وأعيد التوازن بما يخص هاتين المشكلتين في النقاط التالية: 

اغلاق التنبيهات وتصفية لائحة المتابعات

أول ما قمت به، بديهيًا، هو إغلاق جميع التنبيهات، بما فيها كتم جميع تنبيهات الرسائل الفورية، فأنا أختار متى أتحقق من الرسائل. من لديه حاجة مهمة وملّحة سيرفع السماعة ويتصل بك، عدا ذلك يمكنه الانتظار! لن أجعل ذلك الصوت يشعل فيني الصراع النفسي في معرفة من المرسل، وما محتوى الرسالة، يسرق انتباهي، وعندما استسلم لإغواء الرّنة واتحقق من هاتفي أجد الرسالة تقول “هههه”. 

أو “قام فلان بنشر صورة لأول مرة منذ فترة” ما أهمية هذه المعلومة عزيزي انستݠرام؟ ومع ذلك، كنت أشعر أنه من المهم رؤية هذه الصورة الجديدة التي قام بنشرها فلان لأول مرة منذ مدة طويلة! حسنًا. لا مزيد من التنبهات الغبية، المزعجة، وعديمة الفائدة. هذا قادني أيضا إلى مسح التطبيقات التي لم استخدمها، والتي ترسل لي تنبيهات مثل “ما رأيك في تجربة البيتزا؟” لم أكن مدركة لكمية البرامج التي لا استخدمها حتى. 

ثانيًا، تصفية لائحة الأشخاص الذين اتابعهم ويتابعونني كخطوة للتخفّف الرقمي. صرت أحرص على إلغاء متابعة الأشخاص ذوي المحتوى الذي لا يضيف أي قيمة. فعلًا صرت أشعر بالخفّة، شعور مريح جدًا! بهذه الخطوتين، أنا أقلل من التشتت المستمر، تضارب الاطلاع على مواضيع كثيرة في وقت قصير، ناهيك عن تقليل فرص قراءة المعلومات التي لا تحتوي على قيمة حقيقية.

الانشطة البطيئة

بعض الأمثلة على هذه الأنشطة البطيئة التي أحاول تكثيفها في يومي بعيدًا عن الهاتف هي:

  • الأنشطة اليدوية
    • الرسم
    • صناعة الكتب وتجليدها
    • صناعة الأظرف والصناديق الورقية
    • الخبز (مؤخرًا)
  • الكتابة
    • التدوين اليومي
    • كتابة المقالات
  • إلكترونيًا
    • قراءة المقالات 
    • مشاهدة مقاطع الفيديو الطويلة
    • الاستماع إلى المدونات الصوتية
  • المشي
    • المشي اليومي لفترات طويلة بدون الاستماع إلى شيء.

ملاحظة سلوكي وأفكاري عندما أقوم بهذا الممارسات جعلتني أدرك أهمية ان اتجه إلى التركيز أ كثر على الأنشطة البطيئة في حياتي بعيدًا عن الإلكترونيات. أعلم، قد تكون هذه الأنشطة أحيانًا مملة لوجود بدائل أسرع وأسهل، ولكن أهميتها على الصحة النفسية والجسدية تستحق العناء، لأنها أولًا تتيح الاستماع إلى دواخل رؤوسنا بدلًا مما في داخل رؤوس الآخرين وثانيًا تحثنا على التحليل والانخراط في التفكير المطول والعميق. غير أن الملل غالبًا ما يكون في صالحنا، أو هكذا أحب تذكير نفسي.

ممتنة جدًا لوقوع مقالة حمية الانتباه لمارك مانسن في طريقي العام الماضي. المقالة باختصار تتحدث عن الروتين غير الواعي الذي خلقناه لأنفسنا في فحص المحتوى الذي يزيد من تشتتنا الذهني على مدار اليوم. يتحدث مارك مانسن عن نفس الفكرة: التركيز على المحتوى الطويل. يقول مارك مانسن ان المحتوى الطويل يجب أن يكون هو المصدر الرئيسي لتلقينا المعلومات ومعظم المحتوى الترفيهي الذي نحصل عليه. والمحتوى الطويل يقصد به الكتب، المدونات الصوتية (بودكاست)، المقالات الطويلة، الوثائقيات. الفكرة هنا أن الأشياء ذات القيمة الحقيقية تستحق العناء وتستغرق مدة أطول من أوقاتنا. تعجبني هذه الفكرة كثيرًا!

أي عندما نتجول بين تويتر، انستݠرام، سناب چات، وغيرها من المنصات قد يتكوّن لدينا شعور وهمي بأننا استوعبنا الفكرة/المعلومة/المفهوم الذي نقرأه/نسمعه. لا يكفي أن نتعرف على فكرة جديدة ونهضمها من خلال التغريدات المتسلسلة (Thread) على تويتر، أو من خلال دقيقة واحدة يشرح خلالها شخص عن فكرة أو مفهوم. استيعابنا للأفكار والمفاهيم والمعلومات تتكون من خلال التراكم. والتراكم يجب أن يكون على فترات طويلة، نسمح من خلاله للفكرة بأن تسبح في عقلنا. وهذا بصورة ما، يقدمه لنا المحتوى الطويل، والأنشطة البطيئة، بدورها، تتيح لنا الاستماع إلى أفكارنا وانعكاس تلقي المعلومات علينا.

يقول مارك مانسن أيضًا أن الاتجاه إلى المحتوى الطويل ومراقبة انتباهنا أمر صعب عاطفيًا، لأنه في النهاية، المعلومات غير المرغوب فيها جذابة لأنها ممتعة وسهلة، ففي البداية، نحن ندمن عليها بشكل بسيط ولكن ينتهي بنا المطاف إلى أن نستخدمها كوسيلة لتخدير الكثير من ضغوطاتنا وشعورنا بعدم الأمان. لذلك، التخلص من المعلومات غير المرغوب فيها سيعرّي لنا الكثير من المشاعر غير المريحة. سيكون الأمر صعب في الأيام أو الأسابيع القليلة الأولى بشكل عام. الهدف هنا هو أن ندفع أنفسنا للبقاء أكثر تركيزًا على ما يضيف قيمة إلى حياتنا. ويقول، إذا لم يكن الأمر صعبًا في البداية، فأنت على الأرجح لم تستبعد كل ما هو غير مرغوب فيه! هممم.

الصوم لمدة شهر عن مواقع التواصل الاجتماعي

اعتبر ان هذه من أهم التجارب التي قمت بها مؤخرًا. كانت فكرة الشهر فكرة جريئة بالنسبة لي. ولكن الجرأة لم تتملكني إلا هذه السنة في رمضان (2020م-1441هـ) للاعتزال لمدة شهر. واستخدم كلمة جرأة لأنني فعلاً كنت أحتاج الشجاعة الكافية لأقدم على هذه الخطوة. أعني، كيف لي أن أتخلى عن تويتر، تلك المنصة التي أتزوّد من خلالها بالأحداث السياسية والاجتماعية المهمة (من الضروري أن أراجع هذا السلوك الغبي)، أو كيف أسمح بأن تفوتني بهذه البساطة الأخبار اليومية التي تناقشها صديقاتي في مجموعة الواتس آب والتي تعد بمثابة نافذتي على الأخبار المحلية الحصرية التي لا يتحدث عنها الناس حتى في تويتر. ولا أريد البدء بالحديث عن انستݠرام، أو سناب چات وأهميتهما في جعلي ملمة بأخبار معارفي، الأخبار المحلية وحتى العالمية ووسيلتي لمواكبة “الميمز” والمزاج العام. هذه المواقع هي جزء أساسي من يومي، كل يومي. وهذا ما أزعجني وجعلني استوعب أن هذا الهوس، هوس مواكبة الأخبار والخوف من تفويت الأشياء (FOMO) سبب تذبذب مشاعري وأفكاري ورغباتي، وعدم انضباطي على مختلف المستويات. 

الابتعاد لمدة شهر كان تأديبًا أعاد إلى الانضباط في عدة مجالات. أتمنى أن تصبح عادة. في رحلة الشهر هذه، انت لا بد وأن تصل إلى المرحلة التي تفكك وتستوعب بها المعلومات التي حصلت عليها في تلك الفترة وتستشعر انعكاسها عليك، بدل الاستمرار في تلقي المعلومات وتكديسها وعدم التفكر والتمعن بها. أي أنك تغوص في داخلك بدل أن تلهى بما حولك. 

الاتجاه إلى التخفف الرقمي من خلال هذه الممارسات البسيطة أعادت إليّ الاتزان؛ فما عادت الاصوات تزعجني واستعدت استمتاعي بالأصوات والصور المتحركة. صرت أنتقي المحتوى الذي أعرّض له عقلي اللاواعي بحذر أكثر، قدر المستطاع؛ غير أنها مهمة غير يسيرة أبدًا! لا زلت غير راضية تمامًا عن كيفية استعمالي للهاتف. ولكن، هذه هي الحياة.. مليئة بالصراعات، وهذا واحد منها.

انتهى

المصادر:

Alarcón, R.D. & Sarabia, S. (2012) Debates on the narcissism conundrum: trait, domain, dimension, type, or disorder?Journal of Nervous and Mental Disease 200(1) 16-25. 

Fonseca, C. (2019). Amplify your impact: The insta-story: A new frontier for marking and engagement at the sonoma state university library. Reference & User Services Quarterly, 58(4), 219-226.

Manson, M. (2019) The Attention Diet: https://markmanson.net/attention-diet

Newport, C. (2019). Digital minimalism: Choosing a focused life in a noisy world. New York: Portfolio/ Penguin.


Posted

in

by

Tags:

Comments

ردان على “لماذا يجب علينا أن نأخذ التخفّف الرقمي بعين الاعتبار؟”

  1. صورة أفاتار ام محمد
    ام محمد

    نشر رائع ..ما كنت اعتقد في يوم اشاهد او اجد ان هناك عقًول واعيه بهذه الطريقه ..لكن نشر هذه المدونه اثبت العكس …رائع لدرجة ان لم استطع التوقف عن القراءة للحظه ..
    احسنتِ

    إعجاب

    1. صورة أفاتار nuqut

      شكرًا ام محمد على هذه الكلمات الطيبة.

      إعجاب

أضف تعليق