ألا تكترث، تماماً مثل سائق الرݠشة في مومباي

كنت في شارع تجاري مع إحدى معارفي في مومباي، قاصدين التوجه إلى مكانٍ آخر قريب جداً، يبعد مشياً مسافة ربع ساعة تقريباً. كنّا نقف على حافة الشارع وكانت هي -كونها إحدى سكان هذه المدينة- تترأس المهمة كخبير محلي، تمد يدها ملوحة في محاولة لجذب انتباه سائقي الرݠشة/التوك توك الذين يمرون على الشارع الضيق وسط تزاحم وتشابك الناس الذين يتوافدون من كل الجهات. يخفف من سرعته السائق ثم يقف. يرتدي قميص وسروال بلون زيتي قريب من اللون البني، الزي الذي يرتديه جميع سائقي الأجرة في المدينة. حافي القدمين، طاوياً إحدى رجليه على الأخرى. يبدو أن فمه مشغولاً بشيء وشفتيه ملطخة بلونٍ أحمر مع نفخة بسيطة في إحدى خديه، حتماً يمضغ “الپان”. ينظر مباشرة في عينيها منتظراً سماع الوجهة، تنطق هي بالعنوان، يبصق هو “الپان”، يضيف ببصقته تلك لطخة حمراء أخرى جديدة مزيناً بها اللوحة التي يشارك ماضغي “الپان” بها في تزيين شوارع مدينتهم. ويغادر دون أن ينبس بكلمة. ألتفتّ إليها مباشرة انتظرها أن تبدي استياءها، تفعل أي شيء تنفس من خلاله تعرضها لهذه الإهانة، أن تشتمه مثلاً؟ ولكنني وجدتها تبحث عن سائق آخر لتوقفه. هي لم تبدي أي انطباع او استنكار. وهذا ما استغربته في البداية، والذي اعتدت عليه مع مرور الأيام في الهند.

هو سلوك طبيعي ومقبول هناك، ولكنني كنت أحكم على هذا الموقف البسيط بناءً على ما شكلتني عليه بيئتي. أنا لست بصدد الحديث عن اختلاف الثقافات، ولكن، ألا يغضب الشخص أو يشعر بالإهانة عندما يتجاهله شخص ما حتى لو كانت لا تربطنا معه إلا عشر ثوان؟ إهانة.. أو نشعر بشيء آخر سيء ولكن مخزون كلماتي لا يساعدني على إيجاد ما يخدمني الآن. لا يهم. قمت بتدوين ما حدث فوراً في تطبيق الملاحظات في هاتفي حالما لم يتجاهلنا سائق توك توك آخر.

ظلّت صورة سائق الرݠشة وسلوكه حاضراً في تفكيري. كنت أتذكره بشكل عشوائي دائماً. ولأنني واجهت ما لا يسرني من أحدهم اليوم، وكان يتوجب عليّ الرد وإلا سيؤدي تجاهلي إلى مشكلة أكبر أنا في غنى عنها، استدعت ذاكرتي ذلك اليوم. وددت لو أنني أستطيع ألا أكترث، تماماً مثل سائق الرگشة في مومباي. أن امتلك الجرأة على التجاهل والمضي، وألا يعتبرها من كان أمامي إهانة. هكذا، بكل بساطة.. لا يعجبني ما يُقال، لا أنطق بكلمة، أصدّ، وأغادر.


Posted

in

by

Tags:

Comments

ردان على “ألا تكترث، تماماً مثل سائق الرݠشة في مومباي”

  1. صورة أفاتار احلام
    احلام

    عجبني روعة التصور والتخيل في المدونه وكأني اراها الان امامي
    عجبني جدا التصوير عن راعي الركشه وكيف تفل البان وعمل لوحه كالباقي …واتصور ان هذا هو الامتعاض والتذمر من الحال الذي هو فيه يخرجه على شكل تفله …جميل ورائع هذا التصور وهذه الافكار …ولا تتوقفي

    إعجاب

    1. صورة أفاتار nuqut

      شكرًا جزيلًا

      إعجاب

أضف تعليق