هي، والمشاعر

ولدت هي في ديسمبر، في مستشفى الولادة الوحيد في الدوحة آنذاك. كانت الابنة الثالثة. شيئاً لم يكن مميزاً حين ولدت. ولدت ظهراً، هكذا قالوا لها، لكن الظهر يأتي كل يوم، فـ شيئاً لم يكن مميزاً. ولدت هي، لا تذكر كيف ولدت، وهذا شيء أكيد. وكبرت، لم تكن تشعر كيف يحصل ذلك حقيقة! لكنها وبشكل ما تعتقد أن أول ذكرى سجلتها ذاكرتها كانت عندما أودعتها أمها في بيت جدها وذهبت، كان الوقت صباحاً، ظهراً، أو عصراً، لا تدري، ولكن الشمس كانت لاتزال في الافق. هي لم تكن تعي سبب ترك أمها لها، وأحدًا لم يفسر لها ذلك. بكت، ولكن بكائها لم يكن كافياً لرجوعها. لا بد وأن الأمر كان طارئاً، هي تسترجع الآن، لكن أحداً لم يشرح لها السبب. ما تزال تذكر تلك الشجرة التي كانت لصيقة باب بيت جدها، لا تعرف ما نوعها لأن ذلك لم يكن مهماً حينها، ما تزال تذكر كيف أنها نزعت الورقة الخضراء من الشجرة وراحت تعصرها وتغرس أظافرها فيها، لعلها تنفس عن غضبها، غضبها الذي كانت تتعرف عليه حينها. لا يمكنها أن تنسى واجهة بيت جدها الزجاجية العملاقة، التي لم تعد عملاقة قُبيل هدمهم للبيت مؤخراً. ماتزال تذكر طعم الحليب بالفستق الذي سقتها إياه جدتها، وماتزال تذكر الجلسة التي جلستها هي وأختها أمام التلفاز.. لإسكاتهم. هي تعتقد أن ذلك اليوم كان أول يومٍ تم تسجيله رسمياً في ذاكرتها. وذلك اليوم، كان بداية تعرّفها على المشاعر. بعد سنين، لا تستطيع أن تجزم بعددها، صارت تعي سبب ترك أمها في ذلك اليوم بالتحديد. كان ذلك اليوم ذكرى ميلادها الرابع، ويوم ولادة أخيها.

هي تعتقد أنها لا تدري ما الذي يدفعها لتذكر هذه اللحظات في هذا اليوم بالتحديد. لعل الثامنة عشر سنة منذ تعرفها على تلك التي تسمى”المشاعر“ هي من يلّح عليها بذلك؟ في البدايات، كانت المشاعر تعطيها الدهشة دائماً، ولكن عطاءها للدهشة، هي لاحظت، يقل كلما ازداد عمرها رقماً. حين كانت صغيرة، كانت ”المشاعر“ صغيرة مثلها؛ عندما لا تحصل على اللعبة التي تريد، أو الحلوى التي تـشتهي كانت ”المشاعر“ تعطيها حزناً بسيطاً كبساطة عمرها آنذاك أو فرحاً غامراً من دون حساب، كانت ”المشاعر“ كريمة سخية فيما يخص السعادة كانت تهديها من غير مقدار، كانت ”المشاعر“ لا تُبالي. كبرت هي مع ”المشاعر“ إلى أن أصبحتا صديقتان حميمتان. فحين لم تسمح لها أمها بالتغيب عن المدرسة، أعطتها المشاعر الامتعاض. عندما وجدت صديقتها المفضلة مفضلة غيرها أعطتها المشاعر الغيرة. عندما لم يتم قبولها في الجامعة التي أرادت، أهدتها المشاعر الإحباط. هو ذاته الحزن الذي عرفته صغيرة، ولكنه كبر وتلوّن واتخذ أشكالاً أخرى.

 منذ ذلك اليوم الذي تعرفت فيه هي على ”المشاعر“ أول مرة وأصبحت لزيمتها؛ بدأت تشعر هي بالتغيير، شيئاً لم يبقى كما هو، هي تشعر! نعم، لا بد أن المشاعر تريد ان تحتفل اليوم، حتماً هذا سبب الكتابة اليوم. حتى أن المشاعر هي من أهدتها ”رغبة الكتابة“ هذه. لا مفر. هي تخضع لمشاعرها وتكتب.

غداً يزداد عمرها عمراً، و ذكرى تعرفها على صديقتها هذه. هي لا تعتقد أن حقيقة ولادتها في ذلك اليوم إنجازاً تستحق من خلاله أن تتم تهنئتها وإهدائها” مشاعر“غيرها، هي لم تعد تحتمل كل ما تهديه لها مشاعرها، هي لا تحتاج مزيداً. لماذا قد يُهنىء شخص على شيء لم يكن له يداً به، أو حتى مجهود؟ أليس من الأولى أن يتم إرسال لفّة المشاعر هذه، مع حزمة الورد إلى الشخص الذي قام بإخراجها من أحشاء أمها، أو إلى أمها.. فهي تستحق التهاني على مجهودها أكثر منها. هي لم تفعل شيء، هي فقط بكت بكاءً أهدته لها ”المشاعر“ التي هي الأخرى لم  تكن تعي ماذا يحدث. قذفت لها الشعور الوحيد الذي كانت تمتلك آنذاك، بكاء.

*كُتب هذا النص في ديسمبر 2017*


Posted

in

by

Tags:

Comments

أضف تعليق