ورقة، قلم (لوحة مفاتيح إن أردت).. وأنت

أن تكتب لنفسك لـ.. لا أدري، ربما لتسترجع ذكرياتك مستقبلاً؟ لأنك في يوم ما وفي حالة مزاجية ما تمنيت لو أنك خلقت بخاصية استرجاع اللحظات، ليس فالمخيلة.. ولكن فعلياً، أن تعيش ما عشت مرة أخرى. تعيش شعورك، كيف كنت تفكر حينها وفي ماذا؟ وما كانت هي نظرتك لذلك الشي.. أي شيء، من دون التجربة التي بنت على ذلك الشعور شعوراً جديداً؟ مثلاً أن تستلطف شخصاً بعد أن كنت تبغضه. أو تعشق أكل الفلفل بعد أن كنت لا تطيقه. لكنك لم تعد تذكر لحظاتك الأولى مع الأشياء بعد كل هذا التراكم. وهذه اللحظات، لحظات الحنين الخانقة، أصابتني باستمرار، أمنيتي الوحيدة في كل مرة؛ لو أنني أستطيع أن أرجع بالزمن، أن يكون هنالك زر في مؤخرة رأسي، أضغط عليه، وأختار اليوم، وأعيشه مره أخرى. ليس مجازاً، ولكن بشحمي ودمي. لم أجد ما يمكنه أن يلبي حاجتي هذه غير التدوين، وإن كان لا يرجعني للحظاتي بالطريقة التي أسلفت، ولكن، ليس بيدي غير التنازل عن هذا الشرط. 

أن أكتب، لا أبالي بفقداني لهمزة، تنوينٌ أو عنوان، في الحقيقة، أنا أستطيع أن أخلط أكثر من لغة في سطر، أن أرسم رسماً تافهاً، أن ألصق فاتورة الدّكان أو غلاف الحلوى، أو البالونة من مخلفات حفلةٍ ما، أو الخلطة التي طلبت مني جدتي أن أكتبها على عجل حتى لا تنساها. فقط للتوثيق. أن يكون ما أكتبه لا يملك هدفاً أو معنى. فقط أكتب. لا يوجد من يحاسب، أو يوبخ أو ينهر، أنت سيد الورقة والقلم. عندما تشعر أنك تريد أن تسترجع نفسك قبل سبعة، أو عشر سنوات، لكنك لا تتذكر، ذاكرتك تأبى أن تتعاون. ما الذي كان يستحوذ على اهتمامك؟ كيف بدأ هذا الشيء؟ حدثاً مهماً صار تلك الفترة، حدث ذلك قبل زواج خالي بأيام، والفترة ذاتها التي دخلت عمتي المستشفى، لكنك لا تتذكر متى كان. هنا، التدوين يكون في مكانه الصحيح. تقرأه مره أخرى، تسخر، أو تستعجب؛ كيف نسيت ذلك؟ إذ تتيح لك الكتابة أن ترى أناك التي كنتها، تنتقدها، تضحك عليها، أو تخجل منها أحياناً أخرى، لكن لا بأس طالما أن هذا يحدث بينك وبينك من دون دخلاء. 

 لكن الخوف كل الخوف؛ الآثار الجانبية السيئة لهذه العملية البسيطة. فإن أكبر مساوئ التدوين أنها عرضةللمتطفلين“. وهذا أكثر ما يرعبني. لا أخفي أنني استيقظت من نومي أكثر من مرة، لأتأكد أن دفتري في مكانه بعد أن تخيلت أشياءً دبت الرعب في بطني. ماذا لو قرأ أحدهم أنني شتمته مرّة؟ هذه الأشياء قد أكون كتبتها في لحظتها الحامية، وحمو شعوري حينها، لكنها والله زالت، هي لحظية. لكن هل سيتفهم ذلك المتسللون؟

 وهنا حيلة أنصح بإتباعها: حاول أن يكون غلاف الدفتر غير مغري، عادي ومملل، واحرص ألا يكون مملاً أو بشعاً بالطريقة التي تجذب. كنت دائماً ما أختار دفتراً لا يمتلك واجهة مميزة (لكن لا بد أن تكون أوراقه ناعمة ذات جودة عالية). ذلك الغلاف الذي تراه مهملاً في بيت جدتك لا يغري ولا تكلف نفسك في فتحه. ولكن حتى مع هذه الحيلة، ستبقى كتاباتك معرضة للتطفل.

ما بالك وأن تصبح العملية معرضة لأنات أخرى؟ كالتدوين على صفحة في هذه الشبكة المعقدة، العنكبوتية فعلاً. قد تفكر الآن أن أحداً لم يدفعنا لفتح هذه الصفحات الإلكترونية، ونحن من اخترنا أن نعرض أنفسنا إلى الآخرين. وعلى أيٍ، ما نكتبه انتقائياً بالتأكيد، ولكن مع ذلك.. حقيقة إمكانية وجود شخصاً في مكان ما يقرأك، تشعرك بأنكعاري“.. أو هكذا أشعر أنا. 

كتابتك تعريك، تقشرك، تفضحك، وتكشف ما تحاول أن تخفيه، ولو أبيت.


Posted

in

by

Tags:

Comments

أضف تعليق